الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
31
مختصر الامثل
هؤلاء يعتبرون عملهم المذبذب هذا نوعاً من الشطارة والدهاء « يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا » . بينما لا يشعر هؤلاء أنّهم يسيئون بعملهم هذا إلى أنفسهم ، ويبدّدون بانحرافهم هذا طاقاتهم ، ولا يجنون من ذلك إلّاالخسران والعذاب الإلهي . « وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّاأَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ » . في الآية التالية يبيّن القرآن أنّ النفاق في حقيقته نوع من المرض ، فإنّ الإنسان السالم له وجه واحد فقط ، وفي ذاته انسجام تام بين الروح والجسد ، لأنّ الظاهر والباطن ، والروح والجسم ، يكمل أحدهما الآخر . إذا كان الفرد مؤمناً فالإيمان يتجلّى في كل وجوده ، وإذا كان منحرفاً فظاهره وباطنه يدلان على انحرافه . وازدواجية الجسم والروح مرض آخر وعلّة إضافية . إنّه نوع من التضاد والانفصال في الشخصية الإنسانية : « فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ » . وبما أنّ سنّة اللَّه في الكون اقتضت أن يتيسّر الطريق لكل سالك ، وأن تتوفر سبل التقدم لكل من يجهد في وضع قدمه على الطريق . فقد أضاف القرآن قوله : « فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا » . وبما أنّ الكذب رأس مال المنافقين ، يبررون به ما في حياتهم من متناقضات ، ولهذا أشار القرآن في ختام الآية إلى هذه الحقيقة : « وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ » . ثم تستعرض الآيات خصائص المنافقين ، وتذكر أوّلًا أنّهم يتشدّقون بالإصلاح ، بينما هم يتحركون على خط التخريب والفساد : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَاتُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِن لَّايَشْعُرُونَ » . ذكرنا سابقاً أنّ الإنسان ، لو تمادى في الغيّ والضلال ، يفقد قدرة التشخيص ، بل تنقلب لديه الموازين ، ويصبح الذنب والإثم جزءً من طبيعته . والمنافقون أيضاً بإصرارهم على انحرافهم يتطبّعون بخط النفاق ، وتتراءى لهم أعمالهم بالتدريج وكأنّهم أعمال إصلاحية ، وتغدو بصورة طبيعة ثانية لهم . علامتهم الأخرى : إعتدادهم بأنفسهم واعتقادهم أنّهم ذووا عقل وتدبير ، وأنّ المؤمنين سفهاء وبسطاء : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ » . وهكذا تنقلب المعايير لدى هؤلاء المنحرفين ، فيرون الانصياع للحق وإتّباع الدعوة الإلهيّة سفاهة ، بينما يرون شيطنتهم وتذبذبهم تعقلًا ودراية ! غير أنّ الحقيقة عكس ما يرون : « أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلكِن لَّايَعْلَمُونَ » . أليس من السفاهة أن يضيّع الإنسان